قبس الهداية
أهلاً بكم في مدونتي التي نحاول فيها أن نُعيد إلى النصوص كرامتها وإلى الإنسان احترامه لهويته .قال تعالى :"وأنّ هذا صراطي مستقيما فاتّبِعوه"
.
.

هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

     قال تعالى : ( هو الذي أرسَلَ رسُولََه بالهُدَى ودينِ الحقِّ ليُظْهرَه على الدين كلِّه )

 أولا -   إرهاصات الإظهار في مكة

منذ البدايات الأولى للدعوة الإسلامية في مكة يعلن القرآن أن سُنّة الله في خلقه أنه لم يبعث رسلَه إلى الناس ثم يتركهم للظروف ، فقال في سورة غافر - المكية - :

" إنا لننصُرُ رُسُلَنا والذين آمنوا في الحياةِ الدنيا ، ويوم يقومُ الأشهاد " آية / 51

وفي مكة أيضًا نزل قوله تعالى : " أم أبرموا أمرًا فإنا مُبرِمون " الزخرف / 79

قال مجاهد : أي أرادوا كيدَ شَرِّ فكدناهم . قال ابن كثير في تفسيره للآية : : وهذا الذي قاله مجاهد كما قال تعالى " ومكروا مكرًا ومكرنا مكرَا وهم لا يشعرون " وذلك لأن المشركين كانوا يتحيّلون في رد الحق بالباطل بحيل ومكر يسلكونه ، فكادهم الله تعالى ورد وبال ذلك عليهم .انتهى من ج 4 ص 135 .

     وفي مكة أيضا نزل قوله تعالى : " وقيلِه يارب إن هؤلاء قومٌ لايؤمنون ، فاصفح عنهم وقُل سلامٌ فسوف يعلمون " الزخرف / 88 – 89 ، وواضح أن قوله تعالى : فسوف يعلمون ، فيه تهديد من الله لهم بأنه سوف يُظهر أمر نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولهذا أحلّ بهم بأسه ، وأعلى كلمته وشرع بعد ذلك الجهاد والجلاد حتى دخل الناس في دين الله أفواجا .

     ولما اشتد بأس المشركين وأذاهم للمسلمين ، أمر النبي صلى الله عليه وسلم من أحب أن يهاجر منهم إلى الحبشة ، فهاجر البعض منهم إليها ، فأنزل الله في شأن هؤلاء المهاجرين قوله تعالى : " والذين هاجروا في الله من بعد ما ظُلِموا لَنُبؤّنّهم في الدنيا حسنة ، ولأجرُ الآخرةِ أكبرُ لو كانوا يعلمون " النحل / 41 – مكية . وواضح – لغويّا – أن اللام في قوله تعالى ( لنبؤنهم ) مقصود بها القسم ، وهو وعد من الله لهؤلاء الضعفاء الذين لم يكن لهم حيلة يردون بها كيد المشركين غير أن ينسحبوا من المواجهة ويهاجروا فرارًا بدينهم ، وعدٌ من الله لهم بأن الله سوف ينصرهم ولو بعد حين ، وأن الغلبة سوف تكون لهم ، وأنهم سوف يتبوأون مكانة الفاتحين .

     لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته يتلقون هذه النبوآت بالتصديق والإيمان المطلق ، وكان المشركون يتلقونها بعدم المبالاة أحيانًا ، وبالسخرية أحيانًا أخرى ، وذلك أن الأحداث لم تكن – عقليّا – في صالح المؤمنين ، فكيف يمكن أن يتصور العقل أن عصبة مستضعفة ، محصورة في شِعْب أبي طالب ، لاتجد قوت يومها ، كيف يتصور العقل أن هؤلاء سوف تكون الغلبة لهم ، إنه أمر خارج التصور ، ومع ذلك فقد حدث ما تنبّأ به القرآن ، وتبوَّأ هؤلاء المستضعفون مكانة الفاتحين لنعلم بعد ذلك أن الذي وعد هذا الوعد إنما كان هو الله القادر على تنفيذه .

     وهكذا كل النبوآت القرآنية الخاصة بإظهار الإسلام كانت في وقت لم يكن شيء أبعد منها تصديقا ، كما سنرى في المرحلة المدنية من سيرة الدعوة الإسلامية .

     ونبقى بعض الوقت في مكة قبل أن ندلف إلى المرحلة المدنية فنقول :

     نزل أيضا في مكة قوله تعالى في سورة الإسراء ، مخبرًا عما حدث لفرعون مع موسى وقومه : " فأراد أن يستفزَّهم من الأرض فأغرقناه ومَن معه جميعا ، وقلنا مِن بعده لبني إسرائيلَ اسكنوا الأرض فإذا جاء وعدُ الآخرةِ جئنا بكم لفيفا " 103/104 .

     قال ابن كثير في تفسيره ص67 ج 3 : ( يستفزهم من الأرض ) : أي يخليهم فرعون منها ، ويزيلهم عنها ،و ( فأغرقناه ومن معه جميعا وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض ) في هذا بشارة لمحمد صلى الله عليه وسلم بفتح مكة ، مع أن السورة مكية نزلت قبل الهجرة ، وكذلك وقع ، فإن أهل مكة هموا بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم منها كما قال تعالى : " وإن كادوا لَيَستفِزّونك من الأرض لِيُخْرِجوك منها ..." ولهذا أورث الله رسوله صلى الله عليه وسلم مكة فدخلها عُنْوة على أشهر القولين ، وقهر أهلها ، ثم أطلقهم حِلمًا وكرما كما أورث الله القوم الذين كانوا يُستضعفون من بني إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها ، وأورثهم بلاد فرعون وأموالهم وزروعهم وثمارهم وكنوزهم . انتهى كلام ابن كثير .

     كثيرًا ما يُقْرِنُ الله في كلامه بين ما جرى لقوم فرعون بعد تكذيبهم موسى ، وبين ما جرى أو ما سيجري للكافرين من القوم الذين أرسل إليهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مستعملا كلمة ( كدَأبِ ) ، أي كعمل مستمر ، وسُنّة سائرة ، فيقول في سورة الأنفال التي نزلت في شأن غزوة بدر ، التي هَزَمَ المسلمون فيها كفارَ مكة مُخبرًا أن تلك الهزيمة كانت سُنّة سائرة في الوجود لكل مَن كذب رُسُلَ الله ، قال تعالى : " ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكةُ يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ، كدأب آلِِ فرعون والذين من قبلهم ، كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم ، إن الله قويُّ شديد العقاب ، ذلك بأن الله لم يك مُغَيّرًا نِعمةً أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ..." 50 / 53 .

     جاء في مصحف القادسية ( مختصر تفسير الطبري ) : أنعم الله على قريش بأن ابتعث فيهم نبيًّا منهم فكذبوه وأخرجوه فنقله إلى ألأنصار، وغيَّر نعمته عليهم وعذبهم وأهلك من شاء منهم . انتهى

 ثانيا -  الوعد والتحدي في المدينة المنورة  

     وفي المدينة المنورة ، ومع تصاعد الأحداث ، وتزايد الأخطار حول النبي صلى الله عليه وسلم والرسالة ، زادت نبرة التحدي وضوحًا بحيث كانت الآيات ( آيات التحدي ) تنزل قاطعة الدلالة عليه، فقال تعالى : " يُريدون لِيُطفئوا نور الله بأفواهِهم ، ويأبَى اللهُ إلا أن يُتِمّ نوره ولو كره الكافرون ، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق لِيُظهِرَه على الدين كله ولو كره المشركون " آية33،32 من سورة براءة / مدنية .

     ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله زَوَى لي الأرضَ مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ مُلك أمتي ما زوي لي منها ) .

     وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن عدِيّ بن حاتم قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده ، لَيُتِمّنّ الله هذا الأمر – أي الإسلام – حتى تخرُج الظعينةُ [ أي المرأة في هودجها ] من الحيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد [ كناية عن شيوع الأمان ] ، ولَتُفتَحَنّ كنوز كسرى بن هرمز ، قُلتُ : كنوز كسرى بن هرمز ؟؟!! قال : نعم كسرى بن هرمز !! ، ولَيُبذلَنّ المال حتى لا يقبله أحد ). قال عدي راوي الحديث : فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت من غير جوار أحد ، ولقد كنتُ فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز ، والذي نفسي بيده لتكوننّ الثالثة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك . وأنا أقول : أن الثالثة حدثت في أيام الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز .

     ودعني أيها القارىء لأمتعك بهذه الرائعة من روائع التحدي الإلهي ، والتنبّؤ القرآني بغلبة المسلمين ، وهم كانوا في ظرف أقل ما يوصف به أنه أسوأ الظروف ، وأحلك اللحظات التي مرت على المسلمين ، في غزوة الأحزاب ، سوف نقوم بالتركيز على آية حين نزلت كانت موضع العَجَب والدهشة ، وكان ما أشارت إليه من أمر المستقبل سببا لاستهزاء المنافقين بالمسلمين ، إذ كيف يدّعي النبي صلى الله عليه وسلم وهو محاصر في المدينة بعشرة آلاف مقاتل ، وأصحابه خائفون أن يخرجوا لقضاء حاجتهم ، وهو يحفر الخندق من الخوف حول المدينة التي حوصر فيها اتقاءًا من أعدائه ، كيف يصدق المرء بحسابات العقل البشري ، وحسابات موازين القوى ، أن النبي صلى الله عليه وسلم  سوف تفتح له الشام وفارس واليمن ، ثم ينزل القرآن مؤيّدًا لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ، ومُخبرًا أن الأمر ليس بيد البشر ، وإنما هو التدبير الإلهي الحكيم .

     وإليك التفصيل .

     غزوة الأحزاب التي كانت في السنة الخامسة من الهجرة – على الصحيح المشهور – ، والتي كان سببها أن نفرًا من يهود بني النضير الذين كان قد أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى خيبر ، قد خرجوا إلى مكة فاجتمعوا بأشراف قريش ، وألّبوهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم ، ووعدوهم من أنفسهم النصر فأجابوهم ، ثم خرجوا - أي اليهود – إلى غطفان فدعوهم إلى محاربة النبي فاستجابوا لهم ، وخرج الجميع في نحو عشرة آلاف مقاتل ، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بمسيرهم أمر بحفر خندق حول المدينة بعد أن أشار عليه بذلك سلمان الفارسي رضي الله عنه .

     وكانت بنو قريظة – طائفة من اليهود – لهم حصن شرقي المدينة ولهم عهد من النبي صلى الله عليه وسلم ، فذهب إليهم حُيي بن أخطب النضري فلم يزل بهم حتى نقضوا العهد الذي بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ، فعظُم الخطب ، واشتد الأمر ، وضاق الحال كما قال الله تعالى واصفًا حال المؤمنين عندها : " هُنالك ابتُلي المؤمنون وزُلْزِلوا زلزالا شديدا " آية 11 من سورة الأحزاب ، ومكث الأحزاب محاصِرين للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قريبًا من الشهر .

     قال البراء : لما كان يوم الخندق ، عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول ، فاشتكينا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء وأخذ المعول فقال : بسم الله ، ثم ضرب ضربة وقال : الله أكبر ، أّعطيتُ مفاتيح الشام ، والله إني لأنظرُ قصورها الحمر الساعة ، ثم ضرب الثانية فقال : الله أكبر ، أّعطيتُ مفاتيح فارس ، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن ، ثم ضرب الثالثة فقال : بسم الله ، فقطع بقية الحجر ، فقال : الله أكبر ، أعطيتُ مفاتيح اليمن ، والله إني لأبصرُ أبواب صنعاء من مكاني . رواه الإمام أحمد بن حنبل والنسائي ، وروى ابن إسحاق في سيرته مثل ذلك عن سلمان الفارسي كما قال ابن هشام 2 / 219 .

     وذكر النيسابوري في أسباب النزول استكمالا لهذا الأمر : فقال المنافقون : ألا تعجبون ؟! يُمنّيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تُفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق من الفَرَق( أي من شدة الخوف )

ولا تستطيعون أن تبرزوا ( أي لا يستطيع الواحد منكم أن يذهب للغائط ) فأنزل الله تعالى قوله : " وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبِهم مرضٌ ما وعَدَنا اللهُ ورسولُه إلا غُرورا " آية 12 من سورة الأحزاب ، وأنزل الله في هذه القصة قوله تعالى : " قُل اللهم مالِكَ المُلك تُؤْتي المُلكَ مَن تشاء ، وتنزِعُ الملك ممن تشاء ، وتُعِزّ مَن تشاء ، وتُذِلّ من تشاء ، بيدك الخيرُ إنك على كل شيء قدير" آية 26/ من سورة آل عمران.

انتهى كلام النيسابوري .

     لقد جاء القرآن لِيُقر النبي صلى الله عليه وسلم على ما قاله ، وليوافقه على ما أخبر به الناس من حوله ، وليعلم الناس أن الأمر ليس من تدبير البشر ، وإنما هو من تدبير المشيئة الإلهية .

     أما بقية خبر الأحزاب فكان كما قال صاحب الرحيق المختوم ، صفي الرحمن المباركفوري  ( أرسل الله عليهم جندًا من الريح فجعلت تقوض خيامهم ، ولا تدع لهم قِدْرًا إلا كفأته ، ولا طنبًا إلا قلعته ، ولا يقر لهم قرار، وأرسل جندًا من ملائكة يزلزلونهم ، ويلقون في قلوبهم الرعب فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد وجد الأحزاب قد ارتحلوا ، ورد الله أعداءه بغيظهم لم ينالوا خيرًا ) انتهى . ونزل قول الله تعالى في شأن الأحزاب : " وَرَدّ اللهُ الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا ، وكفى الله المؤمنين القتال " آية 25 / الأحزاب

     وهذه نبوأة أخرى لحظناها في قوله تعالى : " وكفى اللهُ المؤمنين القتال " فهي إخبار عن مرحلة جديدة في حياة المسلمين ، يهجمون على قريش ، ولا تهجم قريشٌ عليهم ، قال ابن كثير في تفسيره ج4/ ص477 أن هذه الآية ( إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبين قريش ، وهكذا وقع بعدها ، فلم يغزُهم المشركون ، بل غزاهم المسلمون في بلادهم ) انتهى ، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : " الآن نغزوهم ولا يغزونا ، نحن نسير إليهم " رواه البخاري في صحيحه .

     إن التنبّؤَ بأن المشركين لن يقوموا بالإغارة على المسلمين أو يغزوهم ، هذا التنبؤ في هذا الوقت بالذات ، الذي كان المشركون فيه قادرون على تجميع عشرة آلاف مقاتل في معركة واحدة ، وفي نفس الوقت يأكل الغيظ قلوبهم ، هذا التنبؤ لم يكن نوعًا من التخمين ، أو قراءة الواقع ، فمدلولات الواقع لم تكن تشير إلى شيء من هذا ، بل على العكس ، فقد ذهبوا بغيظهم ، و ما يزال عتادهم وعُدَتُهم باقية ، أي أن الدافع المادي كان موجودا، المتمثل في العتاد والعدة ، وكذلك الدافع النفسي ، وهو الغيظ والإحساس بالعار وخيبة الأمل ، فكان المتوقع أن يُعاودوا الهجوم على المسلمين في ظروف أفضل ، ولكن الله الذي يعلم الغيب وحده أخبر بغير ذلك ، وأطلع رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم على مكنون الغيب ، وتحقق ما أخبر به القرآن ، ولم يتجرّأ المشركون بعد ذلك على غزو المسلمين ، بل إن المسلمين هم الذين أصبحوا يغزون المشركين حتى فتح الله عليهم مكة ، وهو الفتح الذي دانت به جزيرة العرب للمسلمين .

     وفي المدينة المنورة أيضًا نزل قول الله تعالى : " وَعَدَ اللهُ الذين آمنُوا منكم وعَمِلوا الصّالحات لَيَسْتخلِفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ، ولَيُمَكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، ولَيُبدّلَنّهم من بعد خوفهم أمْنا ، يعبدونني لا يُشْركون بي شيئا ، ومَن كفر بعد ذلك فأولَئك هم الفاسقون " 55 / من سورة النور  .

     كان هذا وعدًا من الله تعالى لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بأنه سيجعل أمّته خلفاء الأرض ، أي أئمة الناس والولاة عليهم ..وليبدلنهم من بعد خوفهم أمْنًا ، وقد فعله الله تعالى ، فإنه صلى الله عليه وسلم لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب واليمن بكمالها ، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام ، وهاداه هرقل ملك الروم ومقوقس مصر ، وملوك عمان ، والنجاشي ملك الحبشة ، ثم لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم قام أبو بكر فبعث الجيوش إلى فارس بقيادة خالدبن الوليد ، ففتحوا طرفًا منها وجيشا آخر فتح الشام ، وجيشا آخر فتح مصر في عهد عمربن الخطاب ، وتقلص ملك كسرى والروم ، وفي عهد عثمان امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها كما هو معروف .

     في كتابه [الإسلام يتحدى ] يقول العالم الكبير وحيد الدين خان :

" وليس بوسعنا تفسير هذه النبوآت في ضوء المصطلحات المادية ، إلا أن نسلم بأن صاحب هذا الإخبار بالغيب لم يأتِ به من عند نفسه ، وإنما كان خليفة عن الله ، فلو أنه كان إنسانًا عاديًّا لاستحال كل الاستحالة أن تصنع كلماته أقدار التاريخ " انتهى .

     على أنه يجب التنبيه إلى أمر بالغ الخطورة ، وهو وجوب التفريق بين ظهور الإسلام كدين له معالمه العقائدية وله عباداته ، وبين ظهور المتدينين به المعتنقين له.

وبمعنًى آخر يجب التفريق بين ظهور الإسلام ، وبين ظهور المسلمين .

     فإن الكثيرين درجوا على تفسيرقوله تعالى : " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله " ، درجوا على تفسير ظهور الإسلام بأنه ظهور المسلمين ، وتفوّقهم على مَن عداهم من الأمم في فترة من فترات التاريخ ، واكتفوا باعتبار أن الآية إنما تعني الإخبار عن سيادة المسلمين للعالم ، وهو أمر يوقع الكثير في حيْرة تدفعهم إلى أن يتساءلوا السؤال التالي قائلين : إذا كنا نعتنق الدين الإسلامي ، فلماذا تغلبت علينا الأمم الأخرى ، ولماذا تخلفنا عن ركب الحضارة ؟!.

     والحقبقة أنه بتفحص النص القرآني وتدبره تتضح الإجابة ، فالله تعالى حين قال : " ليظهره على الدين كله " إنما كان يعني بذلك ظهور الدين ، ولم يَرِدْ في الآية ظهور المتدينين به المعتنقين له ، ولأن الدين دينُه فقد تعهّد بإظهاره دون قيد أو شرط ، أما الذين آمنوا فحين وعدهم بالأمن والتمكين في الأرض فقد كان وعده مشروطًا بقوله :" يعبدونني لا يشركون بي شيئا " ، ولهذا قال في آخر الآية :" ومَن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون " .

     قال الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى : " وَعَدَ اللهُ الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ...." قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة نحوًا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده سرًّا وعلانية وهم خائفون ، لا يُؤمرون بالقتال ، حتى أمِروا بالهجرة إلى المدينة فقدِموها ، فأمرهم الله بالقتال ، فكانوا بها خائفين ، يمسون في السلاح ، ويصبحون في السلاح ، فصبروا على ذلك ما شاء الله ، ثم إن رجلا من الصحابة قال : يا رسول الله ، أبد الدهر نحن خائفون هكذا ؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح ؟؟!! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لن تصبروا إلا يسيرًا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليست فيه حديدة ( أي بدون سلاح ، كناية عن الأمن ) وأنزل الله هذه الآية : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ..." إلى آخر الآية  ، فأظهر الله نبيّه على جزيرة العرب فأمنوا ووضعوا السلاح ، ثم إن الله تعالى قبض نبيّه صلى الله عليه وسلم فكانوا آمنين كذلك في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا فيه ، فأدخل عليهم الخوف فاتخذوا الحجزة والشرط ، وغيروا فغير الله بهم ..." انتهى ما أورده ابن كثير من كلام أبي العالية ج3 / ص302 ، وقال ابن كثير أيضًا وقوله تعالى : " ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون " أي فمن خرج عن طاعتي بعد ذلك فقد خرج عن أمر ربه ... فالصحابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لما كانوا أطوع لله كان نصرهم بحسبهم ، وأُيِّدوا تأييدًا كبيرا ، وحكموا في سائر البلاد والعباد ، ولما قصّرالناس بعدهم في بعض الأوامر نقص ظهورهم بحسبهم .انتهى   

(0) تعليقات


Add a Comment



Add a Comment

<<Home


.
.